المناوي
106
طبقات الصوفية ( الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية )
بلاد ريحة ، وكان له ولد غير صالح قبض عليه حاكم السياسة ، فلمّا جلسنا عنده قال للرجل : في غد يصلبون ولدك على خشبة ، فكان كما قال . ومنها : أنّ الشيخ صدقة الفزاري رحمه اللّه كتب صداقا لبعضهم ، ويريد الذّهاب به ، فمرّ على الشيخ ، فقال له : رح لفّ الشاش ، فلمّا وصل إلى الرّجل وناوله الكتاب أعطاه شاشا عظيما ، وما كان يظنّ به ذلك . ومنها : أنّ امرأة أسر ولدها الفرنج ، فصنعت دجاجة ، وجاءت بها إلى الشيخ ، فلمّا أعطته إيّاها أخذها ، وضحك ، وأرماها إلى كلب أحمر من كلابه ، فلمّا عادت المرأة إلى بلدها واستقرّت بمنزلها طرق رجل عليها الباب ، فخرجت إليه ، فإذا هو ولدها ، فسألته عن الخبر ، فقال لها : أعطاني الفرنجي الذي كنت عنده الخبز لأخبزه ، فعرض لي في الطريق كلب أحمر ، ووثب عليّ ، فوقع الخبز منّي وغبت ، فلمّا أفقت وجدت نفسي هنا ، فصنعت المرأة طيرا آخر ، وذهبت به إلى الشيخ شكرا لسعيه ، فخرج إليها من المسجد ، وطردها ، وما تركها تحدّث بالقصة ، وصار ولدها مجذوبا ببركة الشيخ . ومنها : أنّ الشيخ محمد العجمي لما بدا بلحيته الشّيب أراد قلع الشّعر الأبيض منها ، وتردّد في ذلك ، ثم قصد زيارة الشيخ أبي بكر ، فلمّا استقرّ عنده ، جاء الحلّاق ، ووضع الفوطة ليحلق رأس الشيخ ، فقال له : ضعها على أكتاف هذا ، وخذ له من لحيته هذه الشعرات البيض ، فقال : لا يا سيدي ، ونظر إليّ نظرة أراعني بها ، وقال : تردّ ، وهكذا وهكذا ، فتبت إلى اللّه . وزاره رجل ، وكان مراده التقدّم في الطريق والمشيخة ، فقال له الشيخ : يا فلان ، درجة درجة ، فإنّ من وضع رجلا على الأرض ورجلا على السّطح ينفلق نصفين ، وكان ذلك الرجل صالحا إلّا أنّه استعجل على الشّيء قبل أوانه ، فعوقب بحرمانه ، بدعوة عمّه ، فمات ولم يبلغ مبلغ الرجال ، فكان أمره كما أشار الشيخ . ولما دنت خروج روحه تلا قوله تعالى : وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَها ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ [ يس : 38 ] ، وفي ذلك إشعار بمقام قربه من اللّه تعالى وسعة معرفته باللّه تعالى .